اسباب نزول وتسمية سورة الفاتحه بهذا الاسم ؟


بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم نطرح لكم احد المواضيع الهامه تابعوا معى


سورة الفاتحة

سبب التسمية :

تُسَمَّى ‏‏ ‏الفَاتِحَةُ ‏‏ ‏لافْتِتَاحِ ‏الكِتَابِ ‏العَزِيزِ ‏بهَا ‏وَتُسَمَّى ‏‏ ‏أُمُّ ‏الكِتَابِ ‏‏ ‏لأنهَا ‏جَمَعَتْ ‏مَقَاصِدَهُ ‏الأَسَاسِيَّةَ ‏وَتُسَمَّى ‏أَيْضَاً ‏السَّبْعُ ‏المَثَانِي ‏‏، ‏وَالشَّافِيَةُ ‏‏، ‏وَالوَافِيَةُ ‏‏، ‏وَالكَافِيَةُ ‏‏، ‏وَالأَسَاسُ ‏‏، ‏وَالحَمْدُ‎ .‎‏

التعريف بالسورة :

1) سورة مكية

2) من سور المثاني

3) عدد آياتها سبعة مع البسملة

4) هي السورة الأولى في ترتيب المصحف الشريف

5) نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ

6) تبدأ السورة بأحد أساليب الثناء " الحمد لله" لم يذكر لفظ الجلالة إلا مرة واحدة وفي الآية الأولى

7) الجزء ( 1 ) ، الحزب ( 1 ) الربع ( 1 )


محور مواضيع السورة :

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ ، وَالعَقِيدَةِ ، وَالعِبَادَةِ ، وَالتَّشْرِيعِ ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى ، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلاَ بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالتَّثْبِيتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِينَ ، وَالاطَّلاَعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ

سبب نزول السورة :

عن أبي ميسرة أن رسول كان إذا برز سمع مناديا يناديه: يا محمد فإذا سمع الصوت انطلق هاربا فقال له ورقة بن نوفل : إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك قال : فلما برز سمع النداء يا محمد فقال :لبيك قال : قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ثم قال قل :الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين حتى فرغ من فاتحة الكتاب وهذا قول علي بن أبي طالب .

فضل السورة :

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأَ عَلَي الرسول أُمَّ القُرآنِ الكَرِيمِ فَقَالَ رَسُولُ الَّلهِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ في التَّوْرَاةِ وَلاَ في الإِنْجِيلِ وَلاَ في الزَّبُورِ وَلاَ في الفُرقَانِ مِثْلُهَا ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنَ العَظِيمَ الَّذِي أُوتِيتُه " فَهَذَا الحَدِيثُ يُشِيرُ إِلى قَوْلِ الَّلهِ تَعَالى في سُورَةِ الحِجْرِ ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ المَثَانِي وَالقُرآنَ العَظِيمَ )

اسباب نزول وتسمية سورة المائده بهذا الاسم ؟



بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم نطرح لكم احد المواضيع الهامه تابعوا معى
سورة الْمَائِدَة 5/114

سبب التسمية :

سُميت" بسورة المائدة" وهي أحد معجزات سيدنا عيسى إلى قومه عندما طلبوا منه أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء يأكلوا منها وتطمئن قلوبهم .

التعريف بالسورة :

1 ) سورة مدنية .

2) من السور الطول.

3) عدد آياتها 120 آية.

4) هي السورة الخامسة في ترتيب المصحف .

5) نزلت بعد سورة الفتح .

6) تبدأ السورة بأحد أساليب النداء " يا أيها الذين آمنوا " .

7) تقع في الجزء السادس والسابع ، الحزب ، 11،12،13 " الربع " 1: 9


محور مواضيع السورة :

سورة المائدة من السور المدنية الطويلة وقد تناولت كسائر السور المدنية جانب التشريع بإسهاب مثل سورة البقرة والنساء والأنفال إلى جانب موضوع العقيدة وقصص أهل الكتاب قال أبو ميسرة :المائدة من أخر ما نزل من القران ليس فيها منسوخ وفيها ثمان عشرة فريضة .

سبب نزول السورة :

1) قال تعالى " ولاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله " قال ابن عباس : نزلت في الخطيم واسمه شريح بن ضبيع الكندي أتى النبي من اليمامة إلى المدينة فخَلَّفَ خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي فقال : إلام تدعوا الناس ؟ قال : إلى شهادة أن لا اله الا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فقال : حسن إلا أن لي أمراء لانقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم ،وقد كان النبيقال لأصحابه : يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده فلما خرج قال رسول الله : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل مسلم فمر بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه فلما خرج رسول الله عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة فقال: لأصحابه هذا الخطيم وأصحابه وكان قد قلد هديا من سرح المدينة وأهدى إلى الكعبة فلما توجهوا في طلبه أنزل الله تعالى "ياءيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الاسلام .

2) قال تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم " الآية جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين انكم تقرؤون آية في كتابكم لو لينينينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال اي آية هي قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) فقال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله والساعة التي نزلت فيها على رسول الله عشية يوم عرفة في يوم جمعة رواه البخاري .

3) قال تعالى " يسألونك ماذا أُحل لهم " الآية . عن القعقاع بن الحكيم أمر رسول اللهبقتل الكلاب فقال الناس يا رسول الله ما أُحِلَّ لنا من هذه الامة التي أمرت بقتلها فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي "يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ."

تحميل المصحف الكامل والمرتل للشيخ " إدريس أبكر " برابط واحد مباشر


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين
أما بعد ...


زوار مجلة حياة المسلم الكرام أهلا بكم معنا بالمجلة الإسلامية
اليوم أقدم لكم المصحف الكامل للصوت الأكثر من رائع :
الشيخ :  " إدريس أبكر "


 

تحميل المصحف الكامل لفضيلة الشيخ :  إدريس أبكر

برابط واحد وسريع ويدعم الإستكمال

من هنــــا
اضغط هنا لتحميل المصحف كاملا للشيخ : إدريس أبكر

 

وفقنا الله وإياكم فيما فيه خير وصلاح للجميع

نلقاكم فى تدوينات قادمة بإذن الله

إلى اللقاء ..


تحميل المصحف المرتل كامل للشيخ خالد الجليل برابط واحد مباشر

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين
أما بعد ...

زوار مجلة حياة المسلم الكرام أهلا بكم معنا بالمجلة الإسلامية
اليوم أقدم لكم المصحف الكامل للصوت الأكثر من رائع : 
الشيخ :  " خالد الجليل "



تحميل المصحف الكامل لفضيلة الشيخ : خالد بن فهد الجليل 
برابط واحد وسريع ويدعم الإستكمال

وفقنا الله وإياكم فيما فيه خير وصلاح للجميع
نلقاكم فى تدوينات قادمة بإذن الله 
إلى اللقاء ..

قصة طلحه بن عبيد الله رضي الله عنه , الصحابي طلحه بن عبيد الله

منتديات اسلامية - مواضيع في الدين - Islamic Forum ,مواضيع دينيه ، مواضيع اسلاميه ، مواضيع في الفقه والعقيده ، مواضيع عامه ، مواضيع للدين ، فتاوى دينيه ، فتاوى اسلاميه ، مواضيع اسلاميه منوعه، مواضيع اسلاميه عامه ، مواضيع المنتدى الاسلامي ، منتدى اسلامي عام منوع ،منتديات اسلاميه ، منتدى اسلاميات ، نصائح دينيه ، فتاوى في الدين


قصة طلحه بن عبيد الله رضي الله عنه , الصحابي طلحه بن عبيد الله 

 لحظات فى حياته

واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين..

وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول..

وراح رضي الله عنه يجتاز طريقا ما أطوله على قصره..! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!!

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدم ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول

وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء..


(من اقواله)


لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قرا هذه الآية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه


سورة الأحزاب آية 23 فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من هؤلاء فأقبلت وعلي ثويان أخضران فقال أيها السائل هذا منهم.


( السيره )

 
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا)...

تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة، ثم استقبل وجوه أصحابه، وقال وهو يشير الى طلحة:

" من سرّه أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر الى طلحة"..!!
ولم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقا اليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله..

لقد اطمأن اذن الى عاقبة أمره ومصير حياته.. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب..

ولقد بشّره الرسول بالجنة، فماذا كانت حياة هذا المبشّر الكريم..؟؟


**


لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهبا من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه..

وحّر طلحة أن يفوته موكبه، فانه موكب الهدى والرحمة والخلاص..

وحين عاد طلحة الى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، الفى بين أهلها ضجيجا.. وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين.. وعن الوحي الذي يأتيه.. وعن الرسالة التي يحملها الى العرب خاصة، والى الناس كافة..

وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف الى جوار محمد مؤمنا منافحا، أوّابا..

وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر..؟؟

تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا.!!

ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة.. أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل اليّ وحيا..؟؟


وهذا هو الذي يصعب تصديقه..

وأسرع طلحة الخطى ميمما وجهه شطر دار أبي بكر..

ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه الى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومبايعته أسرع من دقات قلبه..

فصحبه أبو بكر الى الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة..

وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين.


**


وعلى الرغم من جاهه في قومه، وثرائه العريض، وتجارته الناجحة فقد حمل حظه من اضطهاد قريش، اذ وكل به وبأبي بكر نوفل بن خويلد، وكان يدعى أسد قريش، بيد أن اضطهادهما لم يطل مداه، اذ سرعان ما خجلت قريش من نفسها، وخافت عاقبة أمرها..

وهاجر طلحة الى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدا غزوة بدر، فان الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة..

ولما أنجزاها ورجعا قافلين الى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد في أولى غزواته..

بيد أن الرسول أهدى اليهما طمأنينة سابغة، حين انبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها..

وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بانزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدورا..!!

ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم.. ودارت الدائرة على المشركين..



نثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم..

وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب زمام المعركة..

واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمي..

وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول..

وراح رضي الله عنه يجتاز طريقا ما أطوله على قصره..! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!!

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدم و يتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء..



ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يمينا وشمالا..

ورأى دم الرسول الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه..

كان يساند الرسول عليه الصلاة والسلام بيسراه وصدره، متأخرا به الى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد..!!

ولندع الصدّيق أبا بكر رضي الله عنه يصف لنا المشهد..

تقول عائشة رضي الله عنها:

" كان أبو بكر اذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة.. كنت أول من جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم اخاكم.. ونظرنا واذا به بضع وسبعون بين طعنة.. وضربة ورمية.. واذا أصبعه مقطوع. فأصلحنا من شانه" .


**


وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله.

ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد اخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات الى النور..

فاذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة.

فقد كان طلحة رضي الله عته من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة..

وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته...

كان ينفق منها بغير حساب..

وكان الله ينمّيها له بغير حساب!



لقد لقّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض.

وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة.



تحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول:

" دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك..؟

فقال المال الذي عندي.. قد كثر حتى أهمّني وأكربني..

وقلت له ما عليك.. اقسمه..

فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم"...

ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر الى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال:

" ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله"...

ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم..!!

ويصف جابر بن عبدالله جود طلحة فيقول:

" ما رأيت أحد اعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله".وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم..

وقد قيل عنه في ذلك:

".. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله..

وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم"..


ويقول السائب بن زيد:

" صحبت طلحة بن عبيدالله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة"..!!



رضي الله عن طلحة..

و صلى و سلم على جاره في الجنة..

نبينا الكريم!

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ .‏


وقفة مع قوله تعالى
:


﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾


د. أمين بن عبدالله الشفاوي



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.


وبعد :


قال الله تعالى : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169].


قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله أي لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا، والتمتع بزهرتها الذي يحذر من فواتها، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة، بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته، ويرزقون بأنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم. اهـ [1].


روى مسلم في صحيحه من حديث مسروق قال : سألنا عبدالله عن هذه الآية : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169]، قال : "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة، فقال : هل تشتهون شيئًا؟ قالوا : أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا : يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا"[2].


وروى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة"[3].


قوله تعالى : ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [آل عمران: 170].


أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله، أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. ففي الصحيحين من حديث أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو على الذين قتلوهم ، قال أنس : فقرأنا عليهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع، "بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا"[4].


قوله تعالى : ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 171]، أي يهنئ بعضهم بعضًا بأعظم شيء، وهو نعمة ربهم وفضله وإحسانه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، مالا يصل إليه سعيهم.


ومن فوائد الآية الكريمة :


أولًا : إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "الشهداء على بارق [5] نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة و عشيًا"[6].


قال ابن كثير : وكأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم، وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن، بأن روحه تكون في الجنة، تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، فإن الإمام أحمد رواه عن محمد بن إدريس الشافعي، ورواه الشافعي عن مالك بن أنس، ومالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"[7].


وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان[8].


ثانيًا : الترغيب في الجهاد، والزهد في الدنيا ومتاعها الزائل، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"[9].


ثالثاً : فضل الجهاد ومكانته العظيمة، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه قال : فوقه عرش الرحمن و منه تفجر أنهار الجنة"[10].


رابعًا : أن فيها تسلية للأحياء عن قتلاهم، وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله، والتعرض للشهادة، روى البخاري في صحيحه : أن أم حارثة بنت سراقة أتتالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر - أصابه سهم غرب [11]- فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال : "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى"[12].


خامسًا : أن هذا الفضل الوارد في الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة لا يكون إلا لمن قاتل لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري قال : جاء رجلإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"[13].


أما من قاتل تحت راية عمية ينصر قومية، أو وطنية، أو حرية، أو غيرها من الشعارات الزائفة فهو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه : "من قتل تحت راية عمية [14] يدعو عصبية او ينصر عصبية فقتلة جاهلية"[15].


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


*******************


[1] تفسير ابن سعدي (ص ١٥٦-157).

[2] برقم (١٨٨٧).

[3] صحيح البخاري برقم (٢٨١٧)، وصحيح مسلم برقم (١٨٧٧)، واللفظ له.

[4] البخاري برقم (٤٠٩٠)، ومسلم برقم (٦٧٧).

[5] بارق : أي على جانب نهر، الفتح الرباني للبنا - رحمه الله - (13/28).

[6] (4/220) برقم (٢٣٩٠) وقال محققوه : إسناده صحيح، قال ابن كثير في تفسيره (3/262): وهو إسناد جيد.

[7] (25/57-58) برقم (١٥٧٧٨) وقال محققوه : إسناده صحيح، من فوق الإمام الشافعي على شرط الشيخين.

[8] تفسير ابن كثير (3/362).

[9] برقم (١٩٠٩).

[10] برقم (٢٧٩٠).

[11] أي طائش لا يعرف من رماه.

[12] برقم (٢٨٠٩).

[13] البخاري برقم (٢٨١٠)، مسلم برقم (١٩٠٤).

[14] عمية : قال القاضي عياض : يقال بكسر العين وبضمها، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء، قال الإمام : قيل الأمر الأعمى كالعصبية، لا يستبين ما وجهه، قاله أحمد بن حنبل، وقال إسحاق : هذا في تجارح القوم وقتل بعضهم بعضًا وكأنه من التعمية وهو التلبيس، وفي حديث ابن الزبير : يموت ميتة عمية، أي : ميتة فتنة وجه

[15] برقم (١٨٥٠).

البكاء من خشية الله لفضيلة د/ أمين بن عبدالله الشقاوي

البكاء من خشية الله
د. أمين بن عبدالله الشقاوي

 
 
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

وبعد :

فإن البكاء من خشية الله دليلٌ على إيمان العبد وخوفه من الله، قال تعالى : ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ [الإسراء: 107 - 109].

وقال تعالى :
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58].


وقد أثنى الله على المؤمنين أصحاب القلوب الرقيقة، الذين لا يملكون أنفسهم من الدمع عند سماعِ آياتِ الرَّحمنِ، أو خوفِ فواتِ عملٍ صالحٍ يُحِبُّونَهُ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 83].

وقال تعالى : ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92].


والبكاء من خشية الله سببٌ للاستظلال بعرش الرحمن، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - ذَكَرَ منْهُم : - وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»[1].


والبكاء من خشية الله من أحب الأعمال إلى الله، روى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ، قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ»[2].


والبكاء من خشية الله سببٌ للنجاة، روى الترمذي في سننه من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال : قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»[3].


والبكاء من خشية الله من أسباب التحريم على النار، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»[4].

فقوله : «لاَ يَلِجُ» : أي لا يدخل، «حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ»: كناية عن استحالة ذلك.



من أسباب البكاء من خشية الله :


1- ذكر الموت : روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ - يعني الْمَوْتَ -»[5]. فإذا ذكر المؤمن الموت رقَّ قلبه، ودمعت عينه، وزهد في دنياه.


2- قراءة القرآن بتدبر، والاستماع إليه بخشوع : روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن الشِّخِّير - رضي الله عنه- قال : «رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاءِ»[6].


وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرآنَ»، قَالَ : قُلْتُ : يا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ : «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ[7].


3- زيارة القبور، وتذكر الآخرة : روى الحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهُ يَرِقُّ القَلْبُ، وتَدّْمَعُ العَينُ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا»[8].


وروى ابن ماجه في سننه من حديث البراء - رضي الله عنه - قال : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ : «يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا»[9].


فإذا كان النبي
- صلى الله عليه وسلم - يبكي حتى تبل دموعه الثرى وهو سيد الأولين والآخرين، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟ نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه ولطفه.


وروى الترمذي في سننه من حديث هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ - رضي الله عنه - قَالَ : «كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ»، قَالَ : وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ»[10].


4- التباكي : وهو منزلة دون البكاء وهو مجاهدة النفس في البكاء، قال ابن القيم- رحمه الله - بعد ذكره أنواع البكاء : «وما كان منه مستدعًى متكلفاً وهو التباكي، وهو نوعان : محمود ومذموم، فالمحمود يُستجلَبُ لرقة القلب وخشية الله لا للرياء والسمعة، والمذموم : أن يجتلب لأجل الخلق، وقد قال عمر بن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر : «أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا»، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ - صلى الله عليه وسلم -»[11]»[12].


ولعل من أعظم أسباب جفاف العين، وعدم البكاء من خشية الله قسوة القلب، وما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب، بل ما خُلِقَتِ النار إلا لإذابة القلوب القاسية، قال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22].


فعلى العبد أن يُذيب هذه القسوة بذكر الله، وزيارة القبور، وتذكر الموت والآخرة وأهوالها[13].


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

****************************

[1] برقم 1423 وصحيح مسلم برقم 1031 وقال الحافظ في الفتح (2/144) وعند سعيد بن منصور بإسناد حسن عن سلمان - رضي الله عنه - سبعة يظلهم الله في ظل عرشه.

[2] برقم 1669 وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وحسنه الألباني - رحمه الله - في صحيح سنن الترمذي (2/133) برقم 1363.

[3] برقم 2406 وقال الترمذي هذا حديث حسن.

[4] برقم 1633وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

[5] برقم 2307 قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.

[6] برقم 904 وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/170) برقم 799.

[7] برقم 4582 وصحيح مسلم برقم 800 واللفظ له.

[8] (1/711) برقم 1433 وقال محقق المستدرك حديث حسن صحيح وصححه الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع الصغير برقم 4584.

[9] برقم 4195 وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم 3383.

[10] برقم 2308 وحسنه الألباني - رحمه الله - في صحيح سنن الترمذي (2/267) برقم 1878.

[11] صحيح مسلم برقم 1763.

[12] زاد المعاد (1/178).

[13] انظر رسالة أخينا الشيخ عبد الهادي وهبي «البكاء من خشية الله»، فقد أجاد وأفاد.

المراهقة وجيل الفيس بوك

المراهقة وجيل الفيس بوك

مجدي داود

بسم الله الرحمن الرحيم

اتصل بي صديق قديم قبل أسبوع، وطلب مني مقابلته لأمر هام، وعندما قابلته عرض علي مشكلة كبيرة، فقد روى لي صديقي أنه رأى ابنة أخته ذات الاثني عشر ربيعا، تجلس أمام شاشة الكمبيوتر وتتصفح موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وعرف أنها تحادث شبابا وفتيات في سنها وغير سنها، وأن إحدى هذه السيدات حاولت أن تحدث ابنة أخته في "الحب والعاطفة والمشاعر تجاه الجنس الآخر" إلا أن الفتاة ردت بأنها لا تزال طالبة ولا تشغل بالها بغير التعليم، كل هذا بغير علم والديها، واحتار الصديق ماذا يفعل في تلك المشكلة؟ وهل يخبر والدي الفتاة؟ وكيف تكون معالجة هذا الوضع الخاطئ؟!.

لقد أثار ما رواه لي صديقي موضوعا خطيرا، لا يمكن التغاضي عنه أو التقليل من شأنه، بل يجب مواجهته بكل قوة وإصرار على معالجته معالجة سليمة واقعية، ألا وهو خطورة شبكات التواصل الاجتماعي والفيس بوك بشكل خاص على المراهقين، من الشباب والفتيات على حد سواء، فالأمر لا يتعلق فقط بحالة هنا وأخرى هناك، بل هي قضية عامة تخص كل بيت من بيوت المسلمين فيه أبناء في تلك السن الحرجة، وذلك الجهاز –الحاسوب- الذي هو سلاح ذو حدين، فهو خير ما دمنا نحسن استغلاله، وشر قاتل إذا أسأنا التعامل معه، واستغلاله فيما لا يفيد ولا ينفع.


خطورة الفيس بوك على المراهقين


تشكل شبكات التواصل الاجتماعي عموما وبشكل خاص موقع "فيس بوك" لمميزاته المختلفة، خطورة كبيرة على المراهقين، وهذه الخطورة لا يمكن حصرها ولا حصر تداعياتها، وتشكل أزمة كبيرة ومشكلة ضخمة ما لم يتم معالجتها بالشكل الصحيح، ومن أهم هذه المخاطر أن هؤلاء المراهقين لا يدركون كون هذا الموقع هو عالم افتراضي، وأن هذه الشخوص التي يتعرف عليها قد تكون حقيقتها مغايرة تماما لما تعرف بها نفسها أو تظهر، ومع عدم خبرة هؤلاء المراهقين، فإنهم قد يصبحون ضحايا لشبكات النصب والاحتيال، أو شبكات القرصنة التي باتت تستغل الفيس بوك مؤخرا بشكل كبير في اختراق أجهزة الحاسوب والحصول على كل المعلومات والبيانات والصور العامة والخاصة التي يحتوي عليها، ثم يقومون باستغلالها في ابتزاز هؤلاء الأشخاص، من خلال تركيب الصور مثلا، خصوصا عندما يضع المراهق بياناته الشخصية ومحل سكنه في الحساب الخاص به، وتبدأ هنا مأساة كبيرة تكون الفتيات هن ضحاياها.

كما يقوم المحتالون من ذوي النفوس المريضة والذمم البالية والضمائر الميتة، بمحاولة خداع الفتيات المراهقات، من خلال محادثتهن عبر حسابات وهمية وأسماء مستعارة، لإثارة عواطفهن، وإشغال عقولهن بما لم يكن في حسبانهن في هذه السن الحرجة، وتبدأ الفتاة منهن تستجيب شيئا فشيئا، وتظن أنها بهذا تشبع عاطفتها، حتى تقع في فخ محكم نصبه ذلك الذئب البشري.

إن تواصل المراهقين عبر الفيس بوك دون رقابة جيدة، قد يجعلهم يقضون وقتهم في تبادل الصور أو الأحاديث الجنسية، أو إقامة علاقات مع الجنس الآخر، وإضاعة الوقت في التعارف والأحاديث ليلا ونهارا، بما يفسد العقول والقلوب والفطر السليمة، وربما تتطور هذه العلاقات على الشبكة العنكبوتية إلى علاقات حقيقية على أرض الواقع، خصوصا مع ضعف الجانب التربوي وفشل كثير من الأسر في احتواء أبنائها وتوجيههم التوجيه السليم الذي يحفظ أخلاقهم وأعراضهم ودينهم، وكم من جرائم وكوارث حدثت جراء ذلك الموقع الذي لا يفرض قيودا ولا يضع حدودا لتعامل هؤلاء المراهقين.


اكتشاف الخطأ وعلاجه


عندما يعلم أحد أفراد الأسرة بأن أحد المراهقين يسئ استخدام موقع التواصل الاجتماعي، لا يجب حينها أن يذهب لعقابه وتوبيخه، فهذا الأسلوب لم يعد يجدي في زماننا هذا، أو أن يقوم بفضح أمره أمام جميع الأسرة، أو يجعل من ذلك وسيلة لابتزازه كما يفعل بعض الأخوة مع إخوانهم المراهقين، فكل هذا سيدفع ذلك المراهق إلى رد فعل عنيد، وتكون النتيجة سلبية، بل يجب أن يتم التفكير في الأمر مليا، والبحث عن كيفية مواجهة هذه المشكلة وعلاجها بالشكل الذي يحقق أفضل نتيجة ممكنة.

ويبدأ علاج هذه المشكلة من خلال اختيار أقرب أفراد الأسرة إلى هذا المراهق، سواء كان الأب أو الأم أو أحد الأخوة أو الأخوات الكبار، أو حتى في الدائرة الأوسع قليلا التي تضم الأخوال والأعمام وأبنائهم، بحيث يكون شخصا محببا إلى ذلك المراهق لديه القدرة على التأثير فيه، على أن يقوم ذلك الشخص بالتقرب أكثر وأكثر من المراهق ويعمل على احتوائه حتى يستريح له أكثر، ويستطيع أن يحادثه في الموضوع بلا حرج أو رهبة للمراهق، ويبين له خطورة هذا التعامل مع هذا الموقع، والمشاكل التي قد تنتج عنه، ويسعى لإقناعه بأسلوب مبسط، ولا يمل من تكرار المحاولات ولا يسعى لفرض رأيه من أول مرة ويحتد على ذلك المراهق، فإن هذا قد يدفع المراهق إلى التعامل بسرية أكثر وبالتالي تتفاقم المشكلة.

ثم بعد هذا يجب فرض نوع من الرقابة الأسرية على ذلك المراهق، فلا يسمح له مثلا في الفترة التالية مباشرة بأن يجلس بمفرده أمام الحاسوب أو أن يجلس ساعات طويلة، ويكون ذلك بشكل غير مباشر، كأن يُوضع الحاسوب في مكان ظاهر في البيت بعيدا عن الغرف المغلقة، حتى لا يلاحظ المراهق أنه مراقب ويؤثر ذلك في نفسه فيلجأ إلى العناد والمكابرة.

من المهم أيضا أن يتم إشغال المراهق بأكثر من أمر حتى لا يجد وقتا فارغا يعود فيه إلى ذلك الموقع ويستغله استغلالا سيئا، فيتم إشغاله بنشاط ثقافي أو اجتماعي، أو تكليفه بعمل ما يقوم به على الفيس بوك، بحيث لا يجد وقتا كثيرا، يتعرف فيه على أشخاص لا يعرفهم أو أن يدفعه الفضول إلى البحث في أمور ليس هذا وقت التفكير فيها.


الوقاية خير من العلاج


إننا أمام معضلة كبيرة، وفي زمان قد كثرت فيه الفتن واستعصت الكثير من المشاكل على الحل، وخرجت فيه أجيال جديدة، لا تعرف من التربية إلا اسمها، ولا تعرف عن الدين إلا القشور مما يسمونها "وسطية واعتدال"، فلا فروض ولا واجبات ولا حساب ولا عقاب، ولا رقابة ولا مسئولية، دعوى الحرية فيه منتشرة، والعجب أنهم قيدوا الحريات السياسية وتركوا الحبل على الغارب للحريات الفكرية والجنسية والدعوة للفسق والمجون، وفي مثل هذا الزمان، يجب أن نهتم كثيرا وننفذ القاعدة الذهبية "الوقاية خير من العلاج".

يجب علينا أن نهتم بالتربية كثيرا، وكثيرا جدا، فللأسف قد أصاب مفهوم التربية لدى كثير من الأسر الكثير من الخلل، حيث صارت التربية لديهم هي الإعاشة، فقط يهتمون بالمأكل والملبس والمشرب والتحصيل الدراسي، أما تهذيب الأخلاق وتصفية العقول وتنقيتها من الشوائب والخبث الذي يبثه السرطان الإعلامي، والتركيز على القيم الدينية والالتزام بما أوجبه الله -عز وجل- من فروض وما سنه نبيه الكريم –صلى الله عليه وسلم- من سنن، واعتماد الصداقة بين الأبناء والآباء أسلوبا أمثل للتربية بلا إفراط ولا تفريط، فهذا لم يعد محل اهتمام الكثير من الآباء.

يجب أن يتحرر الآباء من أسر الطرق التقليدية في التربية، التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فالزمان غير الزمان والطباع غير الطباع والظروف غير الظروف، وقد نسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله "لا تكرهوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، كما نسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قولا مشابها وهو "لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، ويعني أن نهتم بالمستجدات التكنولوجية والظواهر المجتمعية، واختلاف الطباع بين الآباء والأبناء وبين الأبناء وبعضهم، وهكذا.


خاتمة


إن هذا الموضوع خطير ومهم للغاية، ولا يمكن اختزاله في صفحتين أو ثلاثة، بل يحتاج إلى دراسة معمقة وبحث علمي رصين، تراعى فيه كل الظروف وتؤخذ فيه كل الاحتمالات، ويستعان فيه بالخبراء والمختصين تربويين ونفسيين واجتماعيين وخبراء التكنولوجيا كذلك، بحيث تكون الدراسة واقعية تخرج بتوصيات قابلة للتنفيذ، وليس مجرد دراسات أكاديمية لا تسمن ولا تغني من جوع.

نشر في رسالة الإسلام

الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء

الاختلاط المحرم
محمد بن علي الشيخي

 
بسم الله الرحمن الرحيم

حرم الله عز وجل على عباده الاقتراب من الفواحش, وحرّم أسبابها ودواعيها؛ حماية للأعراض, وطهارة لها, فقال الله تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}. وقال سبحانه:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ..} إلى قوله تعالى:{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ }.
وحرّم الله الخضوع بالقول من النساء؛ حذراً من الفتنة واجتناباً لها فقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا }.
ومع ذلك فقد انتشر الاختلاط المحرم في كثير من المجتمعات, ومجالات الأعمال؛ حتى رخصت الأعراض, وأصبحت عرضة لكل فاسقٍ, من ناظرٍ أو مقارفٍ, واستهان بأمر الله من لا يخشى الله ولا يرجو الدار الآخرة, مع الغفلة عما يلحقه في الدنيا من الخزي العار. ورحم الله القائل:
كـم قتيلٍ بشـهوةٍ وأسيـر --- أُفٍ من مشـتهٍ خلاف الجميل
شهوات الإنسان تورده الذل --- وتقليـه في العـذاب الطـويل .
وقد تفضل الله سبحانه فشرع الحجاب صيانةً للأعراض, وتشريفاً للمؤمنين والمؤمنات, فنهى الله الصحابة عن كلام نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا من وراء حجاب، فقال سبحانه:{ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ }. أي: من وراء ساتر بينكم وبينهن. ثم بيّن الله الحكمة من ذلك, وجعلها أدباً للصحابة وأتباعهم من المؤمنين، فقال تعالى:{ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}. فهذا في حق الصحابة ونساء النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. فمن دونهم أحوج إلى الحجاب، وأحق بمنع الاختلاط؛ طلباً لسلامة القلوب، وبُعداً عن المحظور.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشداً إلى فضل البعد عن الاختلاط, وحرصاً على طهارة النفوس والأعراض، فقال في شأن صفوف الصلاة:" خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها ".مسلم وأصحاب السنن
ثم أرشد عليه الصلاة والسلام النساء في خروجهن إلى الصلاة ومشيهن في الطريق إلى أن يأخذن جوانب الطريق؛ حتى لا يختلطن بالرجال.
فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده بعد الصلاة ذات يوم فرأى اختلاط النساء بالرجال في خروجهن وفي الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم لهن:" استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق ". سنن أبي داود
فهذا النهي وهذه الآداب في مواطن العبادات والاجتماع لها, وهي أشرف الأحوال وأفضلها, فكيف يكون النهي عن الاختلاط حال الخلوة، أو في مواطن الفتن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت ". وقال صلى الله عليه وسلم:" لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم ".متفق عليهما, ومعنى :" الحمو الموت ". أي: خلوة القريب من غير المحارم هو الموت, لأنه لا يشك فيه؛ ومن هنا يصل إلى ما لا يتيسر للبعيد؛, لدوام المخالطة, وكثرة الدخول والخروج من غير نكير, ثم يزين الشيطان شراك الخطر، في غفلة من الرقيب, وضعف من النفس البشرية.

ولذا يجب الحذر من الأسباب التي تسهل الوقوع في الفواحش, ومنها:

1- التهاون في أمر الله، والتفريط في حفظ الأمانة من ولاية عامة وخاصة. فليعلم من حصل ذلك منه: أن الله سائل كل راع عما استرعاه, حفظ أم ضيع؟.
2- الغفلة ممن يوزن الأمور بغير ميزان الشريعة , أو يتهاون في أمر أهله بالاحتجاب والاحتشام, ويزعم أن ذلك من الثقة بهم, وإنما ذلك اعتماد منه على الظنون الواهية, أو اتباع للتقاليد والعادات المخالفة لشرع الله, أو انخداع بنعيق المفسدين.
3- ما شاع بين كثير من الناس من الاختلاط بين الرجال والنساء سواء في المستشفيات أو الجامعات أو الشركات أو المتنـزهات والأسواق, ينظر الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل من غير نكير، وبلا وازع من ضميرٍ, أو مراقبة لله عز وجل.
4- محادثة النساء من غير حاجة, وخاصة عند الخلوة, أو في أماكن العمل؛ فإن ذلك مما يكسر حاجز الحياء , ويضعف مراقبة الله عز وجل في النفوس, ويُنسي العواقب, ويسهل للعدو المتربص الذي يزين الشر؛ حتى يقع ما حرم الله. فالواجب البعد عن مواطن الريب, ومثيرات الفتن.

فليجتنب المسلم والمسلمة كل ما يسخط الله جل وعلا, ويُذهِب الغيرة على العرض! وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:" كُتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة, فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأةً لا تحل له".الطبراني في الأوسط, ينظر صحيح الجامع رقم:5045
وللمؤمنين قُدوةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في غيرتـهم على أهليهم.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه:" أتعجبون من غيرة سعد. لأنا أغير من سعد, والله أغير مني ". ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ". متفق عليه
فالسعادة كل السعادة في تقوى الله وطاعته, والشقاء كله في الجهل بالله ومعصيته.
فإن من تقوى الله: حمل الرعية على العفاف وصيانتها عن الأسباب التي تجر إلى غضب الله وعذابه.
وأمر النساء بتقوى الله والاحتجاب والبعد عن مخالطة الرجال؛ فإن العِرض إذا دُنس قلّ أن يطهر,كالزجاج إن كُسِر لا يجبر.
فليراقب الله في نفسه وأهله كل مسلم ومسلمة, وليعرض عن دعاوى المفسدين, وليحذر الانسياق وراء الغاوين, خصوصاً في هذه الأيام حين نفثوا سمومهم في كثير من وسائل الإعلام وغيرها.
فإن من أهداف دعاة التبرج والاختلاط: إضعاف الوازع الديني في نفوس الناس, وهدم الأخلاق, وتزيين الفواحش؛ ليغمروا المجتمع في حماة الرذائل, وليسهل لهم تدنيس أعراض المسلمين !
ولو كانت لدعاة الاختلاط قلوب يفقهون بها لزجرهم وعيدُ الله تعالى في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:" ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والمرأة المترجلة من النساء ".(الحاكم والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان) وقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً:" اتقوا الدنيا واتقوا النساء, فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ". (مسلم والنسائي)
فواجبنا جميعاً: صيانة الأعراض وحفظ الأمانة, ودفع أسباب الشر, وتوقي موارد الفتن, والتعوذ بالله منها.

الربا ضرر وإثم " الجزء الثانى " من أضرار الربا



- الربا  ضرر وإثم " الجزء الثانى "
من أضرار الربا
إبراهيم بن محمد الحقيل



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،  [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] {آل عمران:102}، [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] {النساء:1}، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)] {الأحزاب}.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخيرَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون: إذا تلوثت الأجواءُ أصاب كلَّ من يتنفس الهواء نصيب من هذا التلوث، وإذا تكدرت المياه دخل شيءٌ من هذه الكدرة جوف كلِ شارب منها، وهكذا يقال في كل شيء. حتى الأموال إذا داخلها الكسب الخبيث أصاب المتعاملين بها بيعاً وشراءً وأخذاً وعطاءً شيءٌ من خبثها وسحتها، فكيف إذا كان مبنى الاقتصاد العالمي على الكسب الخبيث وفق النظرية الرأسمالية التي بنيت على الحرية المطلقة في الأموال، وقررت أن الغاية تبرر الوسيلة، فلا شك والحالُ هكذا في تلوث الأموالِ عالمياً بالكسب الخبيث، حتى من حاول الاحتراز والتوقي يصيبُه رذاذه وغبارُه مصداقاً للحديث الذي رواه أبوهريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابُه من غباره» أخرجه أهل السنن إلا الترمذي وصححه الذهبي(1).
إن المعاملاتِ المالية العالمية في عصر التقدم والحضارة منغمسة في أنواع الربا والكسب الخبيث، الذي غطى غبارُه جميع أنواع الكسب والاتجار، ومن جرائه نزعت البركات، وحلت العقوبات [يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] {البقرة:276}، وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُل» أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي(2)، والواقعُ يشهد لهذه الحقيقة التي قررتها نصوصُ الشريعة.
أما نزعُ البركات: فالأكثر يشتكي منه في عالم اليوم سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى الأمم.
فرغم اختراع الآلة، واستغلالِ ثروات الأرض، وتنوع الزراعات والصناعات، التي أصبح الإنسان بها ينتج في اليوم مالم يستطع إنتاجه في سنوات من قبل؛ حتى صارت أرقامُ الإنتاج الزراعي والصناعي أرقاماً عالية، إلا أن أكثر سكانِ الأرض يعيشون فقراً، ولا يجدون كفافاً. وفي كلِ يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض، فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية؟! ولمَ لم تسدَّ جوع الملايين من البشر وهي تبلغ الملايين من الأطنان ؟ فما كانت قلةُ إنتاج إذاً؛ ولكنها قلةُ بركة فيما ينتجون ويزرعون ويصنعون .
وأما حلولُ العقوبات: فإن العقوبات المحسوسة المشاهدة التي يعاني منها البشر في عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يُعد، وهناك عقوباتٌ معنوية لا يحس بها أكثر الناس، ومنها: استعبادُ المادة للإنسان بحيث تحولت من كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها، ثم يشقى بحفظها، ويخشى فواتها، وتلك عقوبةٌ أيُّ عقوبة!! إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسُه الربا يريد الاستغناءَ بالأشياء، فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجسُ زوالها، بينما كان في السابق يستغني عما لا يستطيع تحصيله، ويقنعُ بما كتب له؛ فيرتاح باله، وتطمئن نفسه.
إن سيطرة المادة على الناس، وخوفَ الفقر والحاجة، وانعدام القناعة التي سادت في عصر الربا والرأسمالية، ليست أخلاقاً ذميمة فحسب؛ بل هي عقوبات وعذابٌ يتألم الناس من جرائها في عصر انتشار الربا، حتى أصبح الفقير يريد الغنى، والغنيُ يريد أن يكون أكثر ثراء، والأكثرُ ثراءً يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحبِّ الذات، وكراهية المنافسين. وصار في الناس مستورون لا يقنعون، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى.
وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا، وارتباطِ المعاملات المالية به فإن النهاية المحتومة: ازدياد الفقر والجوع حتى يهلكَ أكثر البشر، واجتماع المال في خزائن فئة محدودة من كبار المرابين؛ مما حدا بأحد الاقتصاديين الأوربيين أن يسمي الربا بتجارة الموت حيث يقول: «الربا تجارة الموت، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيلِ مضاعفة رأسِ المال ببيع السلاح»(3).
وما حطم قيمة الأوراق النقدية، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي يقوم عبره عصابةٌ من كبار المرابين بضخ المالِ في عملة من العملات ثم سحبه لتقع قيمتُها من القمة إلى الحضيض فيصيب الفقرُ شعوباً وأمماً لا تملك غير عملتها التي أصبحت لا تساوي شيئاً.
إن المتخصصين في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماءُ الاقتصاد، والنقودُ السليمة هي التي تجعلُ الاقتصاد سليماً؛ ولكن نقودَ العالم الحالية مريضة بالتضخم الناتج عن الربا، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم، ولن يعالجَ إلا بإلغاء فوائد الربا(4)، ويكشف هذه الحقيقة عالم من علماء الاقتصاد في البلاد الغربية فيقول: «كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد، فكما يؤدي الماء إلى رداءة عصير البرتقال أو الحليب تؤدي الفائدة إلى رداءة النقود، قد يبدو الأمر أننا نسوقُ تعبيراتٍ أدبية أو أننا نبسطُ المسألة ونسطحها؛ ولكن الحقيقةَ أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلةٌ سليمةٌ وصحيحة تدل عليها التجربة ويمكن إثباتها، فالفائدة العالية تُدمِّر قيمة النقود، وتنسف أيَّ نظامٍ نقدي مادامت تزيدُ كل يوم، وتتوقفُ سرعةُ التدمير وحجمُه على مقدارِ الفائدة ومدتها» اهـ(5).
ولست أظنُ أن كلامه يحتاج إلى إثبات؛ لأن التداعيات الاقتصادية التي دمّرت عملات دولِ الشرق أكبرُ دليل على ذلك. وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قلٍ، وماهذه إلا صورةٌ من صورِ المحق التي يسببها الربا لأموال المتعاملين به .
وبسببِ انتشاره في التعاملاتِ المالية أصبحت البورصات العالمية وكأنها صالةُ قمار واسعة، ليس الأمرُ فيها يتصل بالمقامراتِ غير المحسوبة فحسب، وإنما هناك من يبيع دائماً ما لايملك، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمناً، ومن يتظاهر بأن هناك أسهماً لشركات وما هي في الواقع بشركات، ومن يقيد بالدفاتر ملياراتٍ كبيرة دون أن يراها، ودون أن يقابلها رصيدٌ من أي نوع. إنها الفائدة المسؤولة عن المصائبِ الكبرى في النظام النقدي العالمي، وهي المسؤولة عن التضخم، وهي المسؤولة عن ضياع الأموال وعن عجز دفع المدينين ديونهم(6)، فمتى يدركُ الرأسماليون أن نار الربا التي يكتوي بها المقترضون عائدةٌ عليهم بعد انتهائها منهم في يوم من الأيام ليصطلوا بها ؟!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)] {البقرة}.
 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية
الحمدلله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ(279)] {البقرة}.   
أيها المؤمنون: تسودُ الأنانية، وحبُ الذات، وانعدامُ الرحمة كل المجتمعاتِ التي ينتشر فيها الربا؛ فالموسرون المرابون يُقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد تزداد مع طول المدة، وشدة الحاجة، مما يجعلهم عاجزين عن السداد، والنتيجة النهائية إما أن يسرقوا لسداد القروض الربوية، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس، أو في الملاجىء والدور الاجتماعية؛ مما يكون سبباً في قتل كرامتهم، وحرمان المجتمع من عملهم وإنتاجهم.
إن الربا هو السبب الرئيس لانتحار كثير من المقترضين، وانتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رؤوس الأموالِ وكبار المرابين، فضلاً عن كون الربا سحتاً يأكله صاحبه ويبني به جسده وأجساد أهله وأولاده، وهو من السبع الموبقات، وصاحبه مستحقٌ للعنة الله تعالى، ويحشر يوم القيامة مجنوناً يتخبط، ولو لم يكن فيه إلا أن المتعامل به محاربٌ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم لكفى في الزجر عنه، والتحذير منه، فاتقوا الله ربكم، واحذروا خبيث الكسب، وخبيث الصدقة؛ فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وأيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به.
 ألا وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم.
(1) أخرجه أبوداود في البيوع والإجارات باب في اجتناب الشبهات (3331) والنسائي في البيوع باب اجتناب الشبهات في الكسب (7/243) وابن ماجه في التجارات باب التغليظ في الربا (2278) والحاكم (2/11) كلهم من رواية الحسن عن أبي هريرة، وسماع الحسن من أبي هريرة مختلف فيه، ولذا قال الحاكم بعد روايته: «قد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة فإن صح سماعه منه فهذا حديث صحيح» اهـ والذهبي يرى سماع الحسن هذا الحديث من أبي هريرة حيث قال: «سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح» اهـ. انظر: التلخيص برقم (2162) وتبع الذهبي في تصحيحه للحديث السيوطي في الجامع الصغير فرمز له بالصحة، انظر: الجامع الصغير (2/444) برقم (7531) وذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه (3/41) والظاهر أن الألباني لا يرى سماع الحسن من أبي هريرة هذا الحديث؛ ولذا ذكره في ضعيف الجامع وضعفه (4864) وبكل حال فإن وقوع ذلك في هذا الزمن مما يشهد للحديث ويقويه، وهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
(2) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (2/37) وصححه السيوطي في الجامع الصغير (2/22) برقم (5405) ثم الألباني في صحيح الجامع (3542).
(3) انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (91) جمادى الآخرة 1409هـ ص (7).
(4) انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (194) محرم 1418هـ ص(57) .
(5) قائل ذلك هو الاقتصادي الألماني جوهان فيليب بتمان مدير البنك الألماني فرانكفورت في دراسة له بعنوان: كارثة الفائدة، ترجمها الدكتور أحمد النجار ونشرت في مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (194) ص (54) .
(6) تشبيه النظام النقدي في ظل المعاملات الربوية بصالة القمار، وذكر أضرار الفائدة مأخوذ من الاقتصادي الغربي: موريس آليه الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد انظر مقال: الفائدة والركود الاقتصادي في بلاد المسلمين للدكتور جعفر عبدالسلام في مجلة الاقتصاد الاسلامي عدد (184) ربيع الأول 1417هـ ص(68).
(1) أخرجه أبوداود في البيوع والإجارات باب في اجتناب الشبهات (3331) والنسائي في البيوع باب اجتناب الشبهات في الكسب (7/243) وابن ماجه في التجارات باب التغليظ في الربا (2278) والحاكم (2/11) كلهم من رواية الحسن عن أبي هريرة، وسماع الحسن من أبي هريرة مختلف فيه، ولذا قال الحاكم بعد روايته: «قد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة فإن صح سماعه منه فهذا حديث صحيح» اهـ والذهبي يرى سماع الحسن هذا الحديث من أبي هريرة حيث قال: «سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح» اهـ. انظر: التلخيص برقم (2162) وتبع الذهبي في تصحيحه للحديث السيوطي في الجامع الصغير فرمز له بالصحة، انظر: الجامع الصغير (2/444) برقم (7531) وذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه (3/41) والظاهر أن الألباني لا يرى سماع الحسن من أبي هريرة هذا الحديث؛ ولذا ذكره في ضعيف الجامع وضعفه (4864) وبكل حال فإن وقوع ذلك في هذا الزمن مما يشهد للحديث ويقويه، وهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
(2) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (2/37) وصححه السيوطي في الجامع الصغير (2/22) برقم (5405) ثم الألباني في صحيح الجامع (3542).
(3) انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (91) جمادى الآخرة 1409هـ ص (7).
(4) انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (194) محرم 1418هـ ص(57) .
(5) قائل ذلك هو الاقتصادي الألماني جوهان فيليب بتمان مدير البنك الألماني فرانكفورت في دراسة له بعنوان: كارثة الفائدة، ترجمها الدكتور أحمد النجار ونشرت في مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (194) ص (54) .
(6) تشبيه النظام النقدي في ظل المعاملات الربوية بصالة القمار، وذكر أضرار الفائدة مأخوذ من الاقتصادي الغربي: موريس آليه الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد انظر مقال: الفائدة والركود الاقتصادي في بلاد المسلمين للدكتور جعفر عبدالسلام في مجلة الاقتصاد الاسلامي عدد (184) ربيع الأول 1417هـ ص(68).